الشيخ محمد هادي معرفة
153
التفسير الأثرى الجامع
قال تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 58 إلى 59 ] وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ( 58 ) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ( 59 ) هنا وقفة أخرى مع بني إسرائيل من مواضعهم التعنّتيّة وملؤها الانحراف والعصيان والجحود ، ونكران ما أنعم اللّه عليهم من كبير فضل وعناية . يمضي السياق في مواجهتهم هذه : وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ والقرية هذه هي مدينة « حبرون » « 1 » وكانت عامرة : زاهية بثمارها ولا سيّما العنب والزيتون . وبصناعتها واشتهرت بصناعة الزجاج . وهي من أقدم مدن العالم ، سكنها إبراهيم الخليل عليه السّلام وفيها مقبرته ومقبرة ذويه وعرفت باسم الخليل « 2 » ، تقع على بعد 20 ميلا من القدس الشريف . وكانت ذات أسوار وأبواب وحصون منيعة ، تحرسها رجال أقوياء ، منهم العمالقة أصحاب الأجسام الضخام . والقرية اسم لمجموعة سكن مبنيّة بعضها إلى جنب البعض ، من القري وهو الجمع . وتطلق على صغار المدن وكبارها ، كما أريد به هنا . بدليل قوله : وَادْخُلُوا الْبابَ أي باب المدينة . وفي القرآن إطلاق القرية على مكّة وعلى مصر وعلى غيرهما من مدن عامرة وآهلة .
--> ( 1 ) حسبما استظهره ابن عاشور في التحرير والتنوير 1 : 496 و 497 . وسيأتي كلامه . ( 2 ) جاء في قاموس الكتاب المقدّس ص 310 : تدعى اليوم بحبرون الخليل أو حبرون الزاهرة ، على بعد 20 ميلا جنوبي أورشليم . و 100 ميل من الناصرة . قلت : ولعلّ التسمية بحبرون - بناء على اشتراك اللغتين العبريّة والعربيّة في أصول الكلمات - جاءت من قبل المعنى ، حيث يقال : أحبرت الأرض ، كثر نباتها . وحبره : زيّنه . وشّاه . قال تعالى : ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ ( الزخرف 43 : 70 ) أي يفرحون يظهر عليهم حبار نعيمهم أي أثره المبتهج .